ملا محمد مهدي النراقي

247

جامع السعادات

بذلك . فمثل ذلك كاذب في عمله ، وإن لم يكن مرائيا ملتفتا إلى الخلق ، ولا نجاة من هذا الكذب إلا باستواء السريرة والعلانية ، أو كون الباطن أحسن من الظاهر . وهذا القسم من الكذب ربما كان من رذائل قوة الشهوة وربما كان من رذائل قوة الغضب ، وربما كان من رداءة القوة المدركة ، بأن كان باعثه مجرد الوسواس . وأما في مقامات الدين ، كالكذب في الخوف والرجاء ، والزهد والتقوى والحب والتعظيم ، والتوكل والتسليم ، وغير ذلك من الفضائل الخلقية . فإن لها مبادئ يطلق الاسم بظهورها ، ثم لها حقائق ولوازم وغايات والصادق المحقق من نال حقائقها ولوازمها وغاياتها ، فمن لم يبلغها كان كاذبا فيها . مثلا الخوف من الله تعالى له مبدأ هو الإيمان به سبحانه ، وحقيقة هو تألم . الباطن واحتراقه ، ولوازم وآثار هي اصفرار اللون وارتعاد الفرائص وتكدر العيش وتقسم الفكر وغير ذلك ، وغايات هي الاجتناب عن المعاصي والسيئات والمواظبة على الطاعات والعبادات ، فمن آمن بالله تعالى صدق عليه كونه خائفا يطلق عليه الاسم ، إلا أنه لم تكن معه حرقة القلب وتكدر العيش والتشمر للعمل كان خوفا كاذبا ، وإن كان معه ذلك كان خوفا صادقا ، أي بالغا درجة الحقيقة ، قال أمير المؤمنين ( ع ) : " إياكم والكذب فإن كل راج طالب ، وكل خائف هارب " ( 30 ) : أي لا تكذبوا في ادعائكم الرجاء والخوف من الله ، وذلك لأن كل راج طالب لما يرجو ساع في أسبابه ، وأنتم لستم كذلك ، وكل خائف هارب مما يخاف منه ، مجتنب مما يقربه منه ، وأنتم لستم كذلك ، وهذا مثل قوله ( ع ) في نهج البلاغة : " كذب والله العظيم ما باله لا يتبين رجاؤه في عمله ! وكل من رجا عرف رجاؤه إلا رجاء الله ، فإنه مدخول ، وكل خوف محقق إلا خوف الله ، فإنه معلول . . . ( 31 ) ثم الكذب في كل مقام لما كان راجعا إلى عدمه ، فيكون رذيلة متعلقة

--> ( 30 ) صححنا الرواية على ( أصول الكافي ) : باب الكذب ، وعلى " البحار " 3 مج 15 / 39 ، باب الكذب . ( 31 ) هذا الكلام مروي في ( الوافي ) : 3 / 409 باب الكذب وفي " البحار " 3 مج 15 / 35 . وهو مروي عن ( نهج البلاغة ) كما صرح به العلامة المجلسي - قدس سره - في الموضع المذكور .